logotype
Kurdî Türkçe عربي

رسمت رسماً...أريد أن ينظر إليه دوماً...أصبحت صوتاً...أريد أن يسمع دوماً...وطني...الدنيا...الكون

كرمانجية

فخرالدين اسماعيل

 

صراخها يعلو، تتخبط بالجدران، تضرب في عرض الحائط كل ما تصل يدها اليه، تطالب بطفلها.

ينظرون إليها بتعجب ودهشة، ماذا ألمَّ بها، هل أصابها الجنون؟ ماذا تريد؟

دارت حول القرية، سارت في كل الشوارع، تطالب بطفلها، تصرخ، أعطوني طفلي، لا تسرقوا مني فلذة كبدي، روحي، اقتلوني أعدموني وتصرخ، تشد شعرها تزرع أظافرها في وجهها وتنهش به، عشرة رجال لا يستطيعون إمساكها وتهدئتها.

إلتم حولها أهل القرية راغبين في مواساتها وإرشادها إلى الصواب قائلين:

 

- ارجعي إلى زوجك.

 -أرضي بالواقع.

- الحق في يده هو زوجك احملي أرجلك و عودي إليه.

-المدينة واسعة ابحثي عن عمل وساعديه في دنياه وآخرته.

- ليكن الله في عونك على كربك من الظالمين.

- الحكومة معه، هو ابن المعلمين ونحن أبناء العاملين.

-ألم ترضي به زوجا! احملي وزرك بنفسك.

دارت الأحاديث على رأسها، تستمع وشهقاتها تعلو تعلو وتعلو.

وصلت إلى مسامعها أقوال منهم من يقول:

- يا حرام، أحبت وندمت بعد المولود.

- يا لها من عنيدة ترغب في تغيير المستحيل.

- ترغب في بناء مملكة للنساء مع رجال المتعلمين وسقطت في الفخين.....

وقفت ونظرت إلى الجمع الغفير وأردفت بالقول: أنا (ستي) شربت من مياه الجبال، وترعرعتُ على هضاب جودي، ولِدْتُ مع خرير ونسائم الطبيعة، وها أنتم تطلبون مني الموت في مدنٍ صنعتها القذارة، لا حياة هناك، لا طعم للأكل على طاولة الحداثة، أنا نادمة على ما عشته هناك، نادمة على هجري لكم ونادمة على بعدي عنكم، نادمة لإنجابي طفل في عصر لُقِحَ بالنفاق.

توقفت قليلا، مَسَحَتْ العبرات التي تجمدت على خدها الأسيل، ثم جلست القرفصاء واضعة رأسها بين كفيها، غمغمت قليلا ورفعت رأسها إلى الأعلى وقالت:

نعم أنا امرأة ضعيفة، وليس في يدي أي حيلة، قد تقولون هذا هو القدر المكتوب، قد تقولون إنني مجنونة في عصياني أمام جبروت الأغنياء والحكومة وكل السلطات المعمورة، أين هي جدتي؟ الم تعش طيلة عمرها وحيدة على حدود الدول، كلنا نتحدث عنها ونقول إنها كانت ضعيفة و لكنها لم ترضَ بزينة الدنيا، وبكل العالم، و لم ترغب العيش مع الحداثة، جبالنا مليئة بالحوريات الحرة وأنا نادمة لأنني لست منهن واليهن لم ارجع، أنا نادمة على تأخري، نادمة على بعدي عن الحرية، نادمة على رضوخي للعبودية، وكل ذلك بابتسامة.

هل ستصعدين الجبل هل ستنضمين إلى الإرهابيين(الكريلا)؟

ضحكت إرهابيين! من وصفهم بالإرهابيين؟ أليست الحكومة والسلطة هي التي وصفتهم بذاك الاسم، أدركت بان كل ما يوصف من قبل السلطات  يعتبر كلها نفاق وكذب، عرفت وأدركت إن من يرغب في الحقيقة عليه أن يعمل بعكس السلطة، فالسلطات ملقحة من قبل المال والمال ملقح من قبل السمسرة، اطلب جنيني،طفلي، لأنه في خطر  محدق وسيرتوي من عفونة العصر وسيشرب من نفاق المدينة وسيشرب من رجعيتنا المشروعة، هربت من رجعيتكم،  لكني ارتطمت برجعية الحداثة...   

- من أين لكِ كل هذه المعرفة؟

- من الأحرار الذين  نعتوهم بإنهم إرهابيون، من جدتي التي  أفقدتني إياها الحداثة وعمتني عنها الموضة وعفونة أفكاري وتكبري...

وصلت سيارة من الطراز الحديث وتوقفت على بعد منهم، نزل منها رجل أنيق فارع الطول، ربطة عنقه حمراء ويتمشى بكل ثقة. اقترب من ستي، منادين لها باسلوب منمق ست ست ستييييي ماذا حصل لكِ؟ من عمل بكِ كل هذا؟ رضيعك ينتظرك في الحضانة، هيا انهضي لنذهب معاً، ويصرخ في الجمع تفرقوا اذهبوا، كل هذا بسببكم أيها الأوغاد، كلكم أوغاد سفلة، ماذا فعلتم بعروستي، هيا انهضي معي سنترك هذا المكان ونرحل، سوف أخذك إلى أوربا إلى أي مكان ترغبين فيه، إنسي كل ما حصل بيننا من مشاكل ومشاجرات؟ أنت تعرفين أنه هناك قواعد ونظام وعلينا التقيد به بعض الشيء و.....  

وضعت يدها على فمه ثم أردفت: أشكرك حبيبي على لطفك وعلى كرمك عندما كنت تناديني ستييي، كنت أعتقد أن كل العالم معي لأنك معي وأحببتك لأنك كنت إنسانا وكنت تقول أنني أحبك، لأنك تحبني لأنني إنسانة، لكن ولكن ولكن كل ما سمعته منك أصبح هباء ونفيتني من مملكة الوجود، انك أحببتني ونصبتني ملكة في عرشك وأنت تفتخر بمملكتك وها أنا كما شئت فرضت علي أن أكون مطيعة، ففعلت، قلت  إنني أغار عليكِ سجنت نفسي في البيت كما أردت و انكمشت، قلتَ إنني أرغب بطفل فلبيت طلبك، قلتَ لي ارقصي كما يحلو لي ففعلت، حتى لو ضربتني كنت سأقول ضرب الحبيب جنة(ضرب الحبيب زبيب)، أعطيتك كل ما فيَّ من جمال وحب، من فكر من إحساس، أتتذكر لقائنا على حافة الينبوع ألم تقل أنا لكِ واطلبي ما تشائين وسألبي جميع أوامرك، نعم ضاعت كل الوعود بيننا، قالوا لي إنك تحلمين بالمستحيل، قالوا لي الحب شيء والزواج شيءُ آخر، رفضتُ كل الأقاويل ولحقتُ بك لم ألحق بثروتك، برتبتك لحقت بك بإنسانيتك، أما الآن عرفت نفسي، وعرفتك أنت، عرفت بأنك لا تستطيع الخروج من فرديتك من ملكيتك و...

توقفي، ما هذه الترهات ماذا حصل لكِ؟ كل ما حصل هو سوء تفاهم، انهضي معي هناك شيء يربطنا معا، طفلنا نعم طفلنا في الحضانة ينتظرنا، انهضي معي لنذهب إلى البيت سنتحدث بكل راحة، من قال انك لست حرة انك حرة هم يرغبون في إرجاعك إلى عمق التاريخ، إلى عمق الفوضى اتركي أفكارهم، المرأة بزوجها تستطيع أن تعلو، سأجعلك ملكة جمال العالم...

كانت تتنصت إلى ما حولها، وصلت إلى مسامعها تمتمات فتيات ترددن:

 كم هي  محظوظة هناك من يرفعها إلى مرتبة ملكة الجمال ولا تقبل بذلك، حظ ولا تقبل هي حمقاء من الدرجة الأولى...

تنحنحت في مكانها راغبة في الوقوف، ساعدها على الوقوف وسارا معا إلى السيارة، ركبت السيارة بدون صوت، أسدلت على عينيها رموشها الطويلة لا ترغب في رؤية شيء، هاجرت كل شيء، لا احد يعلم بماذا تفكر؟ ماذا حصل لها؟ هربت من الرجل وهاهي تعود إليه ثانية، وردد الجميع يا حرام، لا تعرف ماذا تعمل؟ فقيرة ابنة الجبل، ضائعة في متاهات الفكر، الأحرار أخذوا فكرها وهو أخذ جسدها، ستلحق بمن يا ترى!!؟

ركب السيارة والامتعاض ينخر في وجوده، وكل الكلمات التي ذكرتها له، تعطيه دروساً أخرى في الحياة، هو تَعلَمَ أن يقول وينهي، حبيبته لا تندمج معه يسأل نفسه ماذا افعل لها؟ كيف أُرَوِضُها؟ كيف اخلع عنها الأخيلة والأفكار المتشددة؟ كيف أُنسيها جدتها وتلك الخرافات التي تقولها عن الإلهات؟ 

أعطى للسيارة آخر سرعة، متوجهاً نحو المدينة وهي صامتة تشرب من الصمت انهاراً وأنهار ولا ترغب في المحادثة، حبيبها يتحدث إليها، وهي لا تستطيع أن تسمعه، هو يتحدث بمنطق المكننة، التكنولوجيا أخذت منه أخر العواطف والأحاسيس، ولم يتبقَ لهما غير الهم والغم، هو يقول ستنجبين لي طفلاً آخر وآخر لا تكوني هكذا سنعيش معا ستكونين سعيدة بين أطفالك....

يا لها من فاجعة يظنني آلة تفريخ لا تمتلك إرادة، أعرف ماذا أفعل؟ أنا على قراري وتصمت. تعطي لحواسها بعض الراحة أو بالأحرى حواسها متوقفة، هي سائرة في دنياها ومع اقترابهم من المدينة، أردفت بعد صمت، خذني إلى الحضانة أولاً،  لأنني متشوقة لرؤية طفلي؟!!

سنذهب إلى هناك كما تشائين.

دخلا إلى الحضانة، ركضت نحو طفلها وقالت له: اتركني معه لبعض الوقت

ردَّ باسماً، نعم سأنتظرك في الخارج

حَمَلَتْ طفلها واتجهت مسرعة نحو الباب الخلفي... 

 

 

 

 

2017  WÊJE KURMANC